ثنائية القدر والتشرد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ثنائية القدر والتشرد

مُساهمة  سيف الدين ابكر محمد ارباب في الخميس فبراير 27, 2014 7:22 am

زالنجى مدينة تستمد روعتها من تلك الاستثنائية التي تتمتع بها والخصوصية الاجتماعية الموغلة في التطرف فالمدينة أشبه بصيوان كبير للمناسبات الاجتماعية (أفراحاً أو أتراحاً) .. فالأمور الاجتماعية وما يرتبط بها من واجبات ومجاملات تكاد تستحوذ على ثلثي خارطة الحياة في هذه المدينة. وليوم الخميس هنا خصوصية تكاد تصل لحد القدسية بالنسبة لمناسبات الأفراح وخاصة حفلات المرطبات ودفاتر مساهماتها واخيراً سوق الخميس التي تعتبر احد بنود الصرف الأساسية في الميزانية الشهرية لأي فرد في هذه المدينة, وتكتمل تفاصيل الأسبوع برحلة الجمعة فهو يوم خارج النص يوم لإعادة تجلية النفوس وإفراغ ما بها من هموم وكدر, حيث اعتاد اغلب سكان زالنجى قضاء الجمعة خارج البيوت محتمين بروعة وادي ازوم واريبو وجمال جنائنها. فقد هبا الله هذه المدينة بطبيعة يكاد جمالها يضاهي الجنان وصفاً (فقط ناقصا ثلاثية الجمال!!).
وللمدينة مساءً بطعم الأنس الجميل, وليلاً يتحلى بنكهة الصحبة الشفيفة في ملاذات مقاهيها وأسواقها الصغيرة ومحطات الكيف والمزاج المنتشرة على شوارعها الرئيسة, فالسهر والسمر الليلي خارج البيوت واحدة من عادات سكان زالنجى قبل أن تمتد أيادي الرعب إلى شوارع المدينة وتسلب منها ذاك الدفء المسائي الجميل, فأصبحت المدينة الآن تنشد أمناً لا أنساً, وصار ليلها أشبه بأفلام الاكشن الأمريكية. وقد تعاون ارزقية النظام ومليشياتها المسلحة ليعيدوا ترتيب خارطة كيف ومزاج المدينة فأصبحت تنوم على أنغام الرصاص وتصبح على أخبار القتل والنهب.
دكان هرون يحي آدم الملتقى واحد من تلك المحطات النهارية التي اعتادت الشلة أن تجتمع فيه , ذاك الفضاء الواقع بالمقربة من احد الأسواق الصغيرة للمدينة ويطل على احد الشوارع الداخلة على الحي المجاور للسوق, , ويمثل الملتقى الأرضية التي ترفد المنتدى باحتياجاته الأساسية من مقاعد وغيرها وصاحب الدكان الرجل الكبير بسماحته وطيبته (هرون يحي!!) هو الراعي الكريم للملتقى .. فسمر ملتقى للأنس ومحطة صباحية - مسائية تجتمع فيها الشلة هرباً من رهق الروتين اليومي وتفاصيل البيوت وتداعياتها, وربما بحثاً عن آخر شمارات أسفل المدينة وأخبارها الأخرى, فموقع الدكان والملتقى على مدخل السوق جعل منها محطة يغشاها بعض مرتادي السوق نهاراً, فتلتقط موجاتها آخر شمارات وأخبار المدينة لتعيد (شبو) بثها لمرتادي الملتقى مساءً. وروعة الأنس هنا مع الشلة تكمن في تلك الأريحية واللا قيود والتي تجعل للفضفضة طعم خاص وإن كان الكلام خارج النص.
وفي ذاك اليوم وقد كان بعض أفراد الشلة في طريقهم إلى المنتدى ومن مشوار مسائي اجتماعي .. وعند الوصول إلى نقطة التجمع كانت الأمطار قد هطلت للتو, الساعة تشير إلى الثالثة مساءً والليل قد أعلن حضوره باكراً بفعل المطر وقد خلت الشوارع من المارة وخفت حركة السيارات والأرض لم تزل مشبعة بمياه الأمطار التي تبحث عن طريقها للخروج من أزقة الشوارع والبيوت إلى رحاب الخيران الفرعية لتلتقي بالسيل الكبير عند وادي المدينة الرئيسي (وادي اريبو سحر الجمال الطبيعي).
رطوبة المكان وبقايا الرذاذ الذي لم يزل يبلل الهواء يولد موجات خفيفة من لسعات البرد تجعلك تتداخل وتنكمش على ذاتك بحثاً عن الدفء, وتشتهي كل ما يقودك إليه, إنه جو يخاطب فيك نداء السُكنا للنصف الآخر .. جو تحلو فيه الونسة بصيغة التأنيث وفي المربعات المغلقة.
وبسبب الرطوبة والمياه التي لم تزل تبلل الأرض بقى الجميع في يتسلل الي منزله وفى الطريق ولن نتفارق كمجموعة , وكان المكان مظلم بحيث لا يُرى احد عل. وفي ي بعد مسافة وبمكان ليس بالبعيد من موقع وقوفت عربة يتسلل شبح لامرأة لتدخل احد البيوت المتاخمة للسوق الذي يتخذ منه صاحبه دكان للعمل نهارا وسكن ليلا, ينفتح الباب ويغلق على الاثنين وكل المشهد يتم على مرأى لمن كان بالقرب منهم.
فتثور رغبة شريرة في النفوس فتآمر القوم على أفساد الأمر, فتسلل الجميع ووقفوا أمام الباب منادين على من بالداخل, ولا استجابة تأتي من الداخل, وبعد لغة التهديد البوليسية والوعيد المؤكد بأنه إن لم يفتح الباب سوف يتم كسره, استسلم الرجل وقام بفتح الباب, وتدافع الجمع إلى الداخل محدثين كثيرا من الجلبة, فكان الرجل كصيدا أوقعت به أقداره العاثرة في ذاك المكان والزمان, وبدلاً عن بحثه عن الدفء صار ليله أكثر برودةً وهو الآن يبحث عن مخرج. وبدء تفاصيل حوار فيه كثيرا من الشد والجذب وفي مشهد مثير للرعب ألتف الجمع حوله وقد تناوشته بعض الأيدي. والرجل يحلف بالله انه لم يفعل شيء. وعندما يتيقن أن لا مهرب يلجأ إلى الاستجداء طالباً العفو والصفح .. وتحت انكساره ورجاءاته تخف سخونة الموقف ويتحول المشهد البوليسي إلى مشهد كوميدي, ويتنفس الرجل الصعداء بعد أن ضمن خفة العواقب التي يمكن أن تطاله, فتحدث مستسلماً وهو يرد على سيل الأسئلة الاستخباراتية التي انهالت عليه, وهو أشد حرصاً أن يدفع عن زائرته كل ما يمكن أن يطالها من هذه المناوشات والأسئلة. أما زائرته فقد تكومت في جزء من السرير الذي يحتل احد ألاركان  تراقب ما يدور حولها بشيء من التوجس وتتمنى أن ينتهي الحال دون أن يمتد الأمر إليها, وأخيرا انتهى المشهد الدرامي سلمياً ومع بعض التعهدات بأن لا يتكرر الأمر, وانفض الجمع وتبقت الصورة الكاريكاتورية في الذاكرة ومعها بعض الاستفهامات.
ومن ثنايا حديث الرجل واعترافاته وظلال كلماته ودفاعه الشهم عن زائرته, تستشف من كل ذلك إن هناك أحساس ابعد من أن يكون الأمر نزوة عابرة أو مغامرة ليلية, وان إحساسه تجاه هذه المرأة يتخطى اللحظات العابرة, انه شعور ممزوج بشيء من العاطفة والألفة الحنينة.
حكاية روما وأم مجاهد, اثنين جمع بينهما تشابه الظروف والأحوال, الوحدة وقسوة الأقدار, لفظت بهم الحياة على رصيفها يعانون من هوان التهميش بعد أن كانوا حضوراً في مسرحها الاجتماعي الفسيح. وتحت سطوة الظروف وقسوتها يمكن أن تجتمع الأرواح وتتآلف, فماذا يمكن أن يطلق على هذا التآلف؟ وبماذا يمكن أن تسمى هذه العاطفة؟ هل يمكن للحب أن ينمو من وراء أستار الزمن ومن خلف أشواك التهميش؟. فربما للحب صوراً كثيرة, ولكن من المؤكد أينما توفرت القواسم المشتركة يمكن للحب أن ينمو. روما وأم مجاهد صورة من صور الألفة على أرضية تشابه المصير, فالاثنين ضحايا لتعاون ثلاثية القدر والمجتمع والتشرد.
فالأول (روما) وجد نفسه هكذا على قارعة الطريق بلا أهل ولا أسرة بلا أي شكل من أشكال الروابط الاجتماعية ومسميات التواصل الإنساني, تبدأ حياته وميلاده في صباح كل يوم جديد وتنتهي في نفس اليوم ليلاً, ليولد غداً من جديد.
والثاني (ام مجاهد) خرجت للشارع من دفأ أسرة كانت تحميها وأهل وأحباب لتجد نفسها في أحضان الشارع تصارع قسوة التشرد والضياع, وكان كل ذلك نتاج واحدة من الأخطاء البشرية التي تتآلف مع النزوة وشهوات النفس. فحكمت عليها أسرتها بالنفي وتم تجريدها من لقب الانتماء إليهم ورموا بها إلى ظلمة الشارع.
فالحاجة إلى الدفء والأمان وهروبأ من الوحدة اجتمع الاثنان تحت سقف الظروف المشتركة. فالإنسان يظل كائنا اجتماعيا يبحث عن الحنان والأمان في كل أشكال التواصل الإنساني والتجمعات الاجتماعية بمسمياتها المختلفة. فالوحدة هي أقصى أنواع العقوبات الاجتماعية التي يمكن أن يتعرض لها المرء.
من هو روما؟ .. وكيف هي الحياة بلا ماضي ولا أهداف مستقبلية؟ وما هي المفاهيم التي قذفت بأم مجاهد إلى أحضان الشارع؟ وأي جرماً هذا الذي يستحق النفي الأسري؟ .. وغيرها من الاستفهامات من ثنايا حياة التشرد لروما وأم مجاهد في الجزء الثاني من حكاوي كواليس المدينة.

سيف الدين ابكر محمد ارباب

عدد المساهمات : 40
تاريخ التسجيل : 30/09/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى